أبي الفرج الأصفهاني

246

الأغاني

مر الفرزدق بماء لبني كليب مجتازا ، فأخذوه ، وكان جبانا ، فقالوا : واللَّه لتلقينّ منا ما تكره ، أو لتنكحنّ هذه الأتان ، وأتوه بأتان ، فقال : ويلكم ! اتقوا اللَّه ، فإنه شيء ما فعلته قط ، فقالوا : إنه لا ينجيك واللَّه إلا الفعل قال : أمّا إذا أبيتم فأتوني بالصخرة التي يقوم عليها [ 1 ] عطية ، فضحكوا ، وقالوا : اذهب لأصحبك اللَّه . أسود يستخف به : أخبرنا عبد اللَّه بن مالك ، عن محمد بن موسى ، عن العتبي قال : دخل الفرزدق على قوم يشربون عند رجل بالبصرة ، وفي صدر مجلسهم فتى أسود ، وعلى رأسه إكليل ؛ فلم يحفل بالفرزدق ، ولم يحف به تهاونا ، فغضب الفرزدق من ذلك وقال : جلوسك في صدر الفراش مذلَّة ورأسك في الإكليل إحدى الكبائر وما نطفت كأس ولا لذّ طعمها ضربت على حافاتها بالمشافر [ 2 ] يرثي وكيعا ، فينسى مشيعيه الاستغفار له : أخبرني عبد اللَّه بن مالك عن محمد بن موسى ، عن العتبي قال : لما مات وكيع بن أبي سود أقبل الفرزدق حين أخرج ، وعليه قميص أسود ، وقد شقه إلى سرته وهو يقول : فمات ولم يوتر وما من قبيلة من الناس إلا قد أباءت على وتر [ 3 ] وإنّ الذي لاقى وكيعا وناله تناول صدّيق النبيّ أبا بكر [ 4 ] / قال : فعلق الناس الشعر ، فجعلوا ينشدونه ، حتى دفن ، وتركوا الاستغفار له . ميميته المأثورة في علي بن الحسين : أخبرنا عبد اللَّه بن علي بن الحسن الهاشمي ، عن حيان بن علي العنزي ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : حج الفرزدق بعد ما كبر ، وقد أتت له سبعون سنة ، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام فرأى عليّ بن الحسين في غمار الناس في الطواف ، فقال : من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها ؟ فقالوا : هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللَّه عليهم ، فقال الفرزدق : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم / هذا ابن خير عباد اللَّه كلَّهم هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجدّه أنبياء اللَّه قد ختموا [ 5 ] وليس قولك : من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم إذا رأته قريش قال قائلها : إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

--> [ 1 ] يريد عطية أبا جرير ، ومعروف أنه كان يلقب جريرا بابن المراغة . [ 2 ] نطفت الكأس : قطرت ، والمصراع الثاني صفة لكأس مع الفصل بين الصفة والموصوف . [ 3 ] في ب : « أباءت » وفي نسخة أخرى « أثابت » وكلاهما بمعنى « رجع » المتعدي كأنه يريد رجعت نفسها إلى الأخذ بالثأر . [ 4 ] ظاهر البيتين يفيد أن وكيعا مات قتيلا ، وأنه كان ذا صلة بالخليفة أبي بكر . [ 5 ] نون « فاطمة » للضرورة .